خرجت إسرائيل في غاراتها على سورية الأربعاء الماضي عن النمط التقليدي والمألوف منذ عامين، وشنت غارات مكثفة هي «الأعنف والأوسع والأعمق» في الأراضي السورية.
فقد استهدفت الغارات محافظة دير الزور، وتحديدا المناطق الواقعة على مقربة من الحدود العراقية الممتدة من مدينة دير الزور الى بادية «البوكمال»، وطالت معسكرات ومواقع ومستودعات أسلحة تابعة لإيران والميليشيات التابعة لها، وأوقعت الغارات أكثر من 60 قتيلا في حصيلة تُعدّ الأعلى في يوم واحد منذ بدء الضربات الإسرائيلية في سورية.. وهذه الضربات الحاصلة في توقيت إقليمي وأميركي حساس تطرح تساؤلات عدة عما إذا كانت توجد علاقة بين هذه الهجمات وحالة التأهب الإسرائيلية من أجل إحباط رد إيران على العمليات الأخيرة فيها: من تفجير منشأة «نطنز» الى اغتيال العالم النووي فخري زاده، أم أن هذه الطائرات جاءت لتمنع إيران من الانتقام للعمليتين أو لعملية اغتيال اللواء قاسم سليماني، أو جاءت لتصعيد التوتر لدرجة استفزاز إيران ودفعها الى إغلاق الحساب المفتوح والمتضخم ضد إسرائيل؟! وثمة 3 رسائل سياسية بعثت بها إسرائيل عبر البريد العسكري السريع، والى ثلاثة عناوين:
٭ الرسالة الأولى والأبلغ هي لإيران: وفحواها أن الغارات والضربات الإسرائيلية ضد «التموضع الإيراني العسكري» في سورية ستتواصل هذا العام، وأيًا تكن وجهة العلاقة بين طهران وواشنطن، وأن إسرائيل ماضية قدما في تنفيذ قرارها الاستراتيجي بإنهاء الوجود العسكري لإيران في سورية، ليس فقط في جنوب سورية وإنما في شرق سورية أيضا، وبعدما نفذت الميليشيات الإيرانية في الآونة الأخيرة عمليات انسحاب وإعادة انتشار من دمشق جنوبا الى دير الزور شرقا، بما في ذلك عبور بعضها الى غرب العراق.
وأعلنت إسرائيل أمس أنها سترفع من وتيرة وحجم الغارات بمعدل 3 غارات أسبوعيا، بدل غارة كل ثلاثة أسابيع.
ونهاية العام الماضي، أعلنت إسرائيل أنها انتقلت من مرحلة منع إيران من التجذّر في سورية الى مرحلة إخراجها عسكريا منها ، أو من مرحلة «اللجم» الى مرحلة «الطرد».
ومن الواضح أن إسرائيل ترى فرصة استراتيجية لضرب القوات الإيرانية في سورية بسبب انشغال طهران بأوضاعها الداخلية المضطربة صحيا واقتصاديا واجتماعيا، وبسبب توافر الضوء الأخضر الأميركي وغض الطرف الروسي.
وكرر الإسرائيليون أكثر من مرة أن الهدف هو قطع الطريق الاستراتيجي الذي يوصل من طهران الى بيروت عبر العراق وسورية، وأنها لن تسمح لمشروع الربط بين هذه الدول أن يتم وأن يوصل الى إحكام القبضة الإيرانية على المنطقة.
٭ الرسالة الثانية الى دمشق: مفادها أن سماح النظام لإيران بإقامة قواعد عسكرية لها في مناطق مدنية في سورية تترتب عليه أثمان باهظة وعواقب وخيمة.
وما يسترعي الانتباه في غارات أمس الأول أنها قصدت المساس بهيبة الجيش السوري ودفاعاته الجوية ومواقعه العسكرية من خلال استهداف فرع الأمن العسكري ومطارا عسكريا، وبالتالي فإن إسرائيل ترفع درجة الضغوط على الرئيس بشار الأسد وتترقب موقعه وكيفية رده، وما إذا كان سيبلّغ الإيرانيين بأن الوقت قد حان للتراجع، أو إذا كان سينتظرهم في بحثهم عن مخرج مشرّف والتخفيف من وجودهم وإعادة النظر في استراتيجيتهم العسكرية؟!
٭ الرسالة الثالثة الى واشنطن: وتحديدا الى إدارة الرئيس جو بايدن الجديدة، بأن التغيير الحاصل في الولايات المتحدة لن يبدّل من استراتيجية إسرائيل في سورية، وأن أي مفاوضات محتملة بين أميركا وإيران يجب أن لا تقتصر على الملف النووي، وأن تشمل حكما الصواريخ البالستية وأنشطة إيران عبر أذرعتها الإقليمية.
وبالتالي، فإن إسرائيل تهدف الى «تقييد» إدارة بايدن بالواقع الجديد، والى أن ترفع في وجهها المزيد من الصعوبات والتعقيدات.
وتفعل ذلك بالتنسيق مع إدارة ترامب حتى لحظتها الأخيرة، بدليل أن الضربات الجوية الإسرائيلية نُفذت بناء على معلومات استخبارية قدمتها الولايات المتحدة، وأن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ناقش الغارة الجوية مع رئيس الموساد يوسي كوهين في واشنطن يوم الإثنين الماضي، وقبل ذلك بأيام، كان رئيس أركان الجيش الأميركي مايك ميلي في تل أبيب، حيث بحث مع نتنياهو وغانتس ورئيس الأركان «كوخافي» التحديات والتغييرات الأخيرة في الوضع العملياتي بالشرق الأوسط والملف الإيراني.
من الواضح أن الجانب الإسرائيلي الذي يستعجل الإفادة من دعم ترامب الى آخر يوم من ولايته، يريد وضع «قواعد جديدة» مع تسّلم إدارة بايدن التي يُعتقد أنها في صدد إحياء التفاوض مع إيران حول البرنامج النووي.
عندما أصدرت إسرائيل تقديراتها الاستراتيجية للعام 2021 كان في مقدمتها مواصلة العمل ضد التمركز الإيراني في سورية.
وعندما وضع فريق نتنياهو لائحة مطالب لرفعها الى بايدن في زيارة التهنئة التي سيقوم بها الى واشنطن، كان على رأس هذه اللائحة تقييد مشروع إيران النووي وبرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، ودعم إسرائيل في ضرباتها الهادفة الى إخراج إيران من سورية.